الشيخ بشير النجفي

35

بحوث فقهية معاصرة

بد من تقييد أحد الإطلاقين بالآخر ونتيجة التقييد - لو خلينا نحن ومدلول الآية - هذا الذي ذكرناه ، وهو ما لم يقل به أحد ولا يعقل أن يقول به أحد . نعم صدر الآية يمكن الاستدلال به ؛ إذ قوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا . . الآية « 1 » ، يمكن أن يدعى الإطلاق فيه ويستدل به على المقصود ، ولكن هذا أيضا غير تام ؛ إذ يرد عليه : أولا : أن الآية الكريمة إنما وردت لبيان أصل التشريع ، ولا يسلم وجود إطلاق في هذه المرحلة ؛ إذ الإطلاق إنما يتم مع إحراز مقدماته الأربع المعروفة وأولها أن يكون المتكلم في مقام البيان ، والبيان هنا منصب على أصل تشريع الحكم وليس على خصوصيات المتعلق ، فلم تتم هذه المقدمة الأولى والأهم . ثانيا : مع تسليم وجود مثل هذا الإطلاق في موضوع الربا فإنه بمعناه اللغوي يشمل كافة موارد الزيادة ، وهذا غير ممكن قطعا ؛ إذ من موارد الزيادة ما يكون في المعاوضة الرابحة في غير المتجانسين أيضا ، وغير معقول - كما عرفت - أن يذهب أحد إلى تحريم مثل هذه الزيادة في أحد العوضين ما لم تتوفر فيها الشرائط المذكورة في النصوص . إذن فالأمر هنا يستوجب الرجوع إلى أدلة التحديد الأخرى لمفهوم الممنوع من هذه الزيادة ، ومن دونها يصبح الأمر مجملا وليس مطلقا كما يتصور المستدل ، وسيأتي إن شاء اللّه أن الأدلة حددت منع الزيادة في خصوص معاوضة البيع وفي المكيل والموزون فقط من الأعيان ، لا كل المعاوضات ولا كل الأعيان . وبمثل هذه الملاحظة تماما يمكن القول في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً « 2 » ؛ إذ البيان أيضا منصب على أصل تشريع الحرمة ، فلا إطلاق فيها ليدّعى شمولها لكافة المعاوضات ، وتسليم الإطلاق

--> ( 1 ) البقرة : 275 . ( 2 ) آل عمران : 130 .